تثير ملاحقة السلطات المصرية لصانعات المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي تساؤلات بشأن توظيف مفهوم «القيم الأسرية» في تنظيم حرية التعبير عبر الإنترنت، ودور الانتماء الطبقي والسيادة الوطنية في تشكيل هذه السياسات. وتسلط ندى نشأت، الباحثة غير المقيمة في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، الضوء على قضية صانعة المحتوى مودة الأدهم، باعتبارها نموذجًا يكشف كيف تتداخل القيود القانونية والمعايير الاجتماعية مع مساعي الدولة لفرض سلطتها على المجال العام.
وبحسب تحليل ندى نشأت الذي نشره معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) في 22 أكتوبر 2026، تتكرر في مصر أخبار القبض على مستخدمات تيك توك وصانعات المحتوى، ومعظمهن شابات ينتمين إلى فئات اقتصادية أقل حظًا. وتواجه هؤلاء اتهامات فضفاضة تتعلق بانتهاك الآداب العامة والقيم الأسرية، استنادًا إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر عام 2018، الذي يجرّم في مادته الخامسة والعشرين انتهاك «مبادئ الأسرة وقيمها في المجتمع المصري» دون أن يحدد ماهية هذه المبادئ أو القيم.
ملاحقة صانعات المحتوى باسم القيم الأسرية
تكشف قضية مودة الأدهم، إحدى أشهر القضايا المرتبطة بتطبيق هذا القانون، عن تداعيات استخدام مفهوم القيم الأسرية في ملاحقة صانعات المحتوى. فقد بدأت الإجراءات القانونية ضد الأدهم عام 2020، عندما كانت تبلغ 22 عامًا، بالتزامن مع ملاحقة حنين حسام، التي كانت تبلغ 20 عامًا آنذاك. واقتصر محتوى الأدهم على مقاطع ترفيهية تضمنت الرقص والغناء ومزامنة حركة الشفاه مع الأغاني وغيرها من أشكال المحتوى المنتشر عبر تيك توك.
ورغم طبيعة هذه المقاطع، أصدرت المحاكم بحق الأدهم حكمًا بالسجن ست سنوات بتهم انتهاك القيم الأسرية والاتجار بالبشر واستغلال فتيات لتحقيق مكاسب مالية عبر تطبيقات مشاركة الفيديو. ووفقًا لمحاميها، لم تقدم النيابة أدلة تثبت تورطها في الاتجار بالبشر أو الاستغلال، لكنها قضت عقوبة السجن، قبل أن تواجه حكمًا آخر بالسجن عامًا في 2026، إلى جانب غرامة قدرها أربعة ملايين جنيه مصري، أي ما يعادل نحو 80 ألف دولار، في قضية غسيل أموال. وألغت محاكم الاستئناف بعض الاتهامات وأبقت على أخرى، فيما وصفت منظمات حقوقية تلك الملاحقات بأنها «انتقام مباشر» من صانعات المحتوى.
وترى نشأت أن جوهر القضية لا يتعلق بالضرورة بغسيل الأموال أو الاستغلال، بقدر ما يرتبط بكون الأدهم شابة من الطبقة المتوسطة تحدت الأعراف الاجتماعية السائدة، واكتسبت شهرة، وحققت دخلًا من مقاطع الفيديو التي نشرتها.
ولا يمثل تجريم ما يوصف بانتهاك القيم الأسرية فكرة جديدة في جوهرها، رغم حداثة إدراجها بهذه الصيغة في التشريعات المصرية. فقد دأبت الدولة على تأكيد أن سيادتها تستند إلى دورها في حماية الأعراف الثقافية والاجتماعية للمجتمع. وتنص المادة العاشرة من الدستور المصري على أن الأسرة أساس المجتمع، وأنها تقوم على الدين والأخلاق والوطنية، وأن الدولة تحرص على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها. كما تلزم المادة الحادية عشرة الدولة بحماية المرأة من جميع أشكال العنف، وتمكينها من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل.
لكن تعقيد العلاقات الأسرية وتعدد أبعادها يجعلان تحديد مفهوم حمايتها أمرًا إشكاليًا، لا سيما عندما تستخدمه السلطات لتبرير التدخل في استقلال المرأة وحقوقها الشخصية. وتستند الدولة، بحسب الكاتبة، إلى دورها بوصفها حارسة للأسرة لتوسيع نطاق سيطرتها على أجساد النساء وخياراتهن.
السيادة الوطنية والطبقة الاجتماعية في تطبيق القانون
تجلت هذه الإشكالية أيضًا في تحفظات مصر على اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، عندما صدقت عليها عام 1981. فقد بررت القاهرة تحفظاتها على بعض مواد الاتفاقية بتعارضها، وفق تفسيرها، مع أحكام الشريعة الإسلامية والثقافة المصرية، ولا سيما المادة الثانية المتعلقة بالمساواة بين الرجال والنساء والقضاء على التمييز، والمادة السادسة عشرة المتعلقة بالمساواة في العلاقات الأسرية. كما تحفظت مصر على المادة التاسعة الخاصة بحق المرأة في نقل جنسيتها إلى أبنائها، قبل أن ترفع هذا التحفظ عام 2008.
وتشير نشأت إلى أن الدولة استندت في تبرير تحفظاتها إلى الدين والثقافة، بدلًا من الاحتجاج المباشر بالسيادة القانونية، رغم أن المؤسسات الرسمية هي التي تحدد كيفية تفسير الدين والثقافة داخل المنظومة القانونية.
ولا يمكن فصل ملاحقة صانعات المحتوى عن مساعي الدولة إلى إعادة تأكيد سلطتها على مختلف مجالات الحياة، بما فيها الفضاء الرقمي. فقد تزامن إدراج مفهوم القيم الأسرية في التشريع عام 2018 مع تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الآراء، في وقت ضاقت فيه المساحات المدنية والسياسية عقب تصاعد حملة التضييق التي بدأت عام 2013. وشهدت الفترة نفسها صعود تيك توك ومدونات الفيديو باعتبارهما مصدرين للدخل لدى كثير من المصريين خلال جائحة كوفيد-19 وبعدها.
وأدى اتساع نطاق التعبير عبر الإنترنت إلى احتكاك مباشر بين الدولة وصانعي المحتوى. ولم تقتصر الملاحقات على مودة الأدهم؛ إذ وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في تقرير بعنوان «قيم مَن؟»، ملاحقة نساء بسبب مظهرهن أو رقصهن، فضلًا عن استخدامهن لغة اعتبرتها السلطات مبتذلة، بل وحتى تناول الطعام بطريقة وصفتها بأنها مقززة.
ومن خلال ملاحقة الأدهم وغيرهن، تبعث الدولة برسالة مفادها أن القيم التقليدية المحافظة ستُفرض بقوة القانون، مع تقديم نفسها بوصفها الضامن للنظام الاجتماعي والتماسك المجتمعي. لكن تطبيق هذه السياسات لا يجري بصورة متساوية، إذ يؤثر الانتماء الطبقي في تحديد الفئات التي تواجه الملاحقة القضائية.
وتبدو النساء المنتميات إلى الفئات الأقل حظًا أكثر عرضة للعقاب عندما يخرجن علنًا على الأعراف المحافظة المرتبطة بطبقتهن الاجتماعية، بينما تنجو إلى حد كبير صانعات المحتوى المنحدرات من خلفيات أكثر ثراءً، رغم نشرهن محتوى مشابهًا. ويكشف هذا التفاوت عن الكيفية التي تتعامل بها الدولة مع شرائح المجتمع المختلفة، وعن طبيعة السلطة التي تسعى إلى ممارستها على كل شريحة.
وعلى الصعيد الدولي، كثيرًا ما تواجه مصر الانتقادات المتعلقة بسجلها في حقوق الإنسان بالتأكيد على ضرورة مراعاة الخصوصيات الدينية والثقافية عند تطبيق المعايير العالمية لحقوق الإنسان، مستندة إلى مفهوم السيادة الوطنية للدفاع عن موقفها.
حرية التعبير وحقوق المرأة في مواجهة خطاب السيادة
للحفاظ على هذه الرواية وتعزيز صورتها دوليًا، تسعى الدولة أيضًا إلى ترسيخها داخليًا، عبر تقديم المجتمع المصري باعتباره محافظًا بطبيعته، واستخدام هذا التصور لتبرير الرقابة على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي. وتستند هذه الحجة إلى أن السيادة تنبع من الشعب، ومن ثم تقتضي حماية ما تفترضه الدولة من قيم أخلاقية يتبناها المجتمع.
لكن الكاتبة ترى أن هذه المبررات تصبح أقل إقناعًا مع تزايد انفتاح قطاعات من المجتمع على آراء وسلوكيات مختلفة. فالمجتمع المصري يتسع بالفعل لتنوع أكبر في المواقف والممارسات مما تعترف به الدولة، إلا أن السلطات لا تتعامل دائمًا مع هذا التنوع باعتباره جزءًا من حرية التعبير، بما فيها الحق في الاختلاف، بل تجرّم بعض أشكاله وتفرض عقوبات عليها.
كما تسهم هذه الملاحقات في احتواء المعارضة، إذ تحاول المؤسسات الرسمية تصوير القيم الليبرالية والحريات الشخصية باعتبارها جزءًا من أجندة أجنبية، بما يضعف مصداقية الحركة النسوية المصرية. وتفسر الدولة مطالب المدافعين عن حقوق الإنسان بوقف ملاحقة مستخدمات تيك توك باعتبارها دعوات إلى الانحلال الأخلاقي، وتقدمها بوصفها تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية والثقافة والدين.
وفي المقابل، دأبت ناشطات الحركة النسوية في مصر على رفض الادعاء بأن حقوق المرأة أفكار مستوردة من الخارج، وأكدن أن مطالب المساواة تنطلق من الواقع الاجتماعي المحلي، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الأطر الدولية لحقوق الإنسان. وأسهم هذا النهج في تسليط الضوء على قضايا مثل قضية مودة الأدهم من منظور حقوقي يتجاوز الأحكام الأخلاقية المسبقة.
وترى نشأت أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب إعادة النظر في مفهومي السيادة والقيم الأسرية، وفحص آليات المساءلة التي تقوم عليهما وكيفية تطبيقهما. فحين تبرر الدولة تقييد حقوق النساء والفتيات باسم السيادة، فإنها تشجع أيضًا ثقافة مراقبة المواطنين بعضهم لبعض؛ إذ يستطيع مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الإشارة إلى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في التعليقات على المقاطع التي يرونها مخالفة للأخلاق. وفي بعض الحالات، تستجيب الوزارة بالقبض على أصحاب هذه المقاطع، خصوصًا عندما تحظى بانتشار واسع، ثم تنشر أخبار القبض عليهم عبر صفحاتها باعتبارها دليلًا على دورها في حماية الآداب العامة، حتى عندما لا يتجاوز المحتوى رقص شابة على تيك توك.
ولا يقتصر التعامل مع خطاب القيم الأسرية على رفض الروايات المحافظة، بل يتطلب بناء فهم بديل للأسرة يعترف باستقلال المرأة وسلامة جسدها ومساواتها في المواطنة، باعتبارها عناصر أساسية في التماسك الاجتماعي لا تهديدًا له. كما يستلزم تجاوز التعارض المصطنع بين حقوق الإنسان العالمية والخصوصية الثقافية، من خلال إظهار أن المطالبة بالمساواة تنبع من داخل المجتمع المصري نفسه.
ورغم الاستقطاب الذي أثارته قضايا صانعات المحتوى، وما صاحبها من استدعاء لمفاهيم الأخلاق والشرف، فإن المطالبة بالمساواة أمام القانون وتعزيز التماسك الاجتماعي ظلت جزءًا من النقاش العام المصري لسنوات طويلة، بما في ذلك خلال ثورة عام 2011 وما قبلها.
وتخلص الكاتبة إلى أن القضية لا تتعلق بالاختيار بين السيادة الوطنية وحقوق الإنسان، أو بين الأسرة وحقوق المرأة، بل بمواجهة الخطابات السياسية التي توظف مفهومي السيادة والقيم الأسرية بصورة انتقائية لترسيخ سلطة الدولة والحد من المساءلة. ففي مصر، تحولا إلى أداتين مؤثرتين في إدارة المجتمع، وتشكيل المؤسسات القانونية والخطاب العام والعلاقات الدبلوماسية الدولية. ومن ثم، فإن إعادة تعريفهما على أسس تضمن الحقوق والحريات تمثل خطوة ضرورية نحو رؤية تحترم الخصوصية المحلية، وتضمن في الوقت نفسه حماية الحقوق على المستويين الإقليمي والدولي.
Public Morality and National Sovereignty in Egypt - The Tahrir Institute for Middle East Policy

